“أَحَدٌ .. أَحَد”

جلدوه وبكل جبروت قالوا له: “اذكر اللات والعُزى..” وكان يجيبهم رغم الآلم بـ :”أحد.. أحد”، ولم يفقدوا الأمل، أعادوا المحاولة مرة أخرى، فأجابهم بـ: “إن لساني لا يُحسِنُه”.. سبحان من وهبه كل هذه القوة والصمود..

الصحابي بلال بن رباح ـ رضي الله عنه ـ ذو الصوت الشجي، المؤذن الذي أبكى الأمة حين وفاة رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ كان رجلًا شديد السمرة، ناحل الجسم، طويل، خفيف العارضين، كان يعيش عيشة الرقيق، لم يكن يسمع المدح أو الثناء في أيامه، لكن الآن وفي كل بقاع الأرض نسمع به، نذكره بالخير، نكثر مدحه، أيامه كانت متشابهة لحد كبير، إلى أن أتى اليوم الذي ازدانت وتبدلت به أيامه،

كان الناس من حوله يظنون بأنه لا حول له ولا قوة، لن يقدر على فعل أي شيء، لكنه خالف كل هذه الظنون بعد إسلامه، فقد أصبح أول مؤذن للإسلام، نال مكانة كان يتمناها سادة وعظماء قريش من الذين أسلموا..

قبل إسلامه ـ عندما كان أحد عبيد قبيلة بني جمح ـ كان يسمع شيوخها يتحدثون عن الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ ويذكرون أمانته، وفائه، رجولته وخلقه، نزاهته ورجاحته، كان يسمع الكثير عن نبي الإسلام، كما كان يسمعهم وهم يحاولون تحديه؛ ولاءً منهم على دين أبائهم والخوف على مجد قريش..

أنار الله قلبه بنور الإسلام، ذهب للرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ وأعلن إسلامه، وصل خبر إسلامه لسادته من بني جمح، ثاروا وغضبوا كيف لعبدهم الحبشي أن يتبع أشد عدو لهم!! كيف يخالفهم!! ويتبع محمدًا؟!!! كان “أمية بن خلف” وهو أحد شيوخهم يقول: “إن شمس هذا اليوم لن تغرب إلا ويغرب معها إسلام هذا العبد الآبق!” لكن شاء الله أن تغرب الشمس ويسطع نور إسلام بلال بن رباح ـ رضي الله عنه ـ  رغم كل العذاب الذي تلقاه منهم إلا أنه في كل مرة يتم تعذبيه .. يردد: “أحد .. أحد” حتى أن الجلادون كانوا يرجونه أن يقول: ” قل: ربي اللات والعزى، لِنذرك وشأنك، فقد تعبنا من تعذيبك، حتى لكأننا نحن المعذبون!” ويهز رأسه ويردد: “أحد .. أحد” كم هو عظيم صبور!

ويأتي أمية ويقول له: “أي شؤم رمانا بك يا عبد السوء؟ واللات والعزى لأجعلنك للعبيد والسادة مثلًا”

ويجيبه بطل الأمة بـ” أحد .. أحد” وتزداد الأذية له، حتى أن أبي بكر الصديق ـ رضي الله عنهم ـ ذهب إليهم وقال لهم “أتقتلون رجلًا أن يقول ربي الله؟!” فيصيح في أمية بن خلف “خذ أكثر من ثمنه واتركه حرًا”.. قبِل أمية الثمن وأطلق سراحه، فقد بلغ اليأس منه ما بلغ، حتى أن النفس طابت من شدة تعذبية وهو لازال صامدًا..

كان عبدًا .. فأصبح حرًا .. وليس كأي حر، بل مؤذنًا لرسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ وللإسلام

***

في معركة بدر، كان بلال بن رباح ـ رضي الله عنه ـ أحد الغزاة فيها، أمر الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ أن يكون شعارها “أحد .. أحد” وقد كان أمية بن خلف أحد قادة الجيش الخصم، على الرغم من أنه كان لا يريد الخروج والقتال! لكن شاء الله سبحانه وتعالى أن يجعل “عقبة بن أبي معيط” يحفز ويحرض أمية على الخروج والقتال..

بدأ القتال بين الفريقين، بدأ المسلمين بشعارهم ” أحد .. أحد ” ما أن سمعها أمية حيث انخلع قلبه، فهي نفسها الكلمات التي كان يرددها العبد الذي كان يعذبه! إنه تدبير الله ـ سبحانه ـ لمح بلال أمية فصاح قائلًا: ” رأس الكفر، أمية بن خلف .. لا نجوت إن نجا” رفع سيفه ليقطع الرأس الذي كان يعذبه، فصاح به عبدالرحمن بن عوف: ” أي بلال .. إنه اسيري” لم يعجب بلال أن يكون أمية مجرد أسير! فعاد بلال وصاح قائلًا: ” يا أنصار الله .. رأس الكفر أمية بن خلف، لا نجوت إن نجا!” فقتله بلال وصاح “أحد .. أحد”

كما تدين تدان.. كل ما تفعله سيعود إليك، شئت أم ابيت..

***

تمضي الأيام ويدخل الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ الكعبة بصحبة بلال بن رباح ـ رضي الله عنه ـ ويأمره بأن يؤذن، كل من سمع صوته، توقف عما كان يعمل! أخذوا يرددون الأذان من بعده

***

كانت محبة بلال بن رباح ـ رضي الله عنه ـ تزداد يومًا بعد يوم في قلب رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ فكان يقول عنه “إنه رجل من أهل الجنة”

بعد وفاة رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ فاضت عينا بلال وكان يقول: ” إني لا أُؤَذِّن لأحد بعد رسول الله” .. لم يُسمع صوته الندي؛ لأنه كان عندما يردد “أشهد أن محمدًا رسول الله … ” كان يبكي ويختفي صوته .. لكن آخر أذان له، كان أيام زار الشام أمير المؤمنين عمر ـ رضي الله عنه ـ وتوسل المسلمون إليه أن يؤذن لهم لصلاة واحدة، صعد بلال وأذن.. فبكى الصحابة وكان عمر ـ رضي الله عنه ـ أشدهم بكاء…

***

نقلت لكم القصة بتصرف من كتاب “رجال حول الرسول صلى الله عليه وسلم ” لخالد محمد، تأثرت كثيرًا حين قرأتها وكأنني اقرأها لأول مرة! مليئة بالعبر والدروس..

في كل مرة تستمعون فيها إلى الأذان .. تذكروه رضي الله عنه..

Advertisements

One thought on ““أَحَدٌ .. أَحَد”

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s